ابن عطية الأندلسي
353
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الإيمان إنما هو في الخواطر الجارية التي لا تثبت ، وأما الشك فهو توقف بين أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر ، وذلك هو المنفي عن الخليل عليه السلام . وإحياء الموتى إنما يثبت بالسمع ، وقد كان إبراهيم عليه السلام أعلم به ، يدلك على ذلك قوله : رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ [ البقرة : 258 ] فالشك يبعد على من ثبتت قدمه في الإيمان فقط ، فكيف بمرتبة النبوءة والخلة ، والأنبياء معصومون من الكبائر ومن الصغائر التي فيها رذيلة إجماعا ، وإذا تأملت سؤاله عليه السلام وسائر ألفاظ الآية لم تعط شكا ، وذلك أن الاستفهام بكيف إنما هو عن حال شيء موجود متقرر الوجود عند السائل والمسؤول ، نحو قولك : كيف علم زيد ؟ وكيف نسج الثوب ؟ ونحو هذا ، ومتى قلت كيف ثوبك وكيف زيد فإنما السؤال عن حال من أحواله ، وقد تكون كَيْفَ خبرا عن شيء شأنه أن يستفهم عنه ، كَيْفَ نحو قولك : كيف شئت فكن ، ونحو قول البخاري : كيف كان بدء الوحي ، و كَيْفَ في هذه الآية إنما هي استفهام عن هيئة الإحياء ، والإحياء متقرر ، ولكن لما وجدنا بعض المنكرين لوجود شيء قد يعبر عن إنكاره بالاستفهام عن حالة لذلك الشيء يعلم أنها لا تصح ، فليزم من ذلك أن الشيء في نفسه لا يصح ، مثال ذلك أن يقول مدع : أنا أرفع هذا الجبل ، فيقول له المكذب : أرني كيف ترفعه ؟ فهذه طريقة مجاز في العبارة ، ومعناها تسليم جدلي ، كأنه يقول افرض أنك ترفعه أرني كيف ؟ فلما كان في عبارة الخليل عليه السلام هذا الاشتراك المجازي ، خلص اللّه له ذلك وحمله على أن يبين الحقيقة فقال له : أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى ، فكمل الأمر وتخلص من كل شك ، ثم علل عليه السلام سؤاله بالطمأنينة . قال القاضي أبو محمد : وقوله تعالى : أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ معناه إيمانا مطلقا دخل فيه فصل إحياء الموتى ، والواو واو حال دخلت عليها ألف التقرير ، و لِيَطْمَئِنَّ معناه ليسكن عن فكره ، والطمأنينة اعتدال وسكون على ذلك الاعتدال فطمأنينة الأعضاء معروفة ، كما قال عليه السلام : « ثم اركع حتى تطمئن راكعا » ، الحديث ، وطمأنينة القلب هي أن يسكن فكره في الشيء المعتقد . والفكر في صورة الإحياء غير محظورة ، كما لنا نحن اليوم أن نفكر فيها ، بل هي فكر فيها عبر ، فأراد الخليل أن يعاين ، فتذهب فكره في صورة الإحياء ، إذ حركه إلى ذلك إما أمر الدابة المأكولة وإما قول النمرود : أنا أحيي وأميت ، وقال الطبري : معنى لِيَطْمَئِنَّ ليوقن . وحكي نحو ذلك عن سعيد بن جبير ، وحكي عنه ليزداد يقينا . وقاله إبراهيم وقتادة . وقال بعضهم : لأزداد إيمانا مع إيماني . قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي اللّه عنه : ولا زيادة في هذا المعنى تمكن إلا السكون عن الفكر ، وإلا فاليقين لا يتبعض ، وروي أن الأربعة التي أخذ إبراهيم هي الديك ، والطاوس ، والحمام ، والغراب ، ذكر ذلك ابن إسحاق عن بعض أهل العلم الأول ، وقاله مجاهد وابن جريج وابن زيد ، وقال ابن عباس : مكان الغراب الكركي . وروي في قصص هذه الآية أن الخليل عليه السلام أخذ هذه الطير حسبما أمر وذكاها ثم قطعها قطعا صغارا وجمع ذلك مع الدم والريش ، ثم جعل من ذلك المجموع المختلط جزءا على كل جبل ، ووقف هو من حيث يرى تلك الأجزاء ، وأمسك رؤوس الطير في يده ، ثم قال تعالين بإذن اللّه ، فتطايرت تلك الأجزاء